ابن الأثير
19
أسد الغابة ( دار الفكر )
وقال أبو عمر : وليس بشيء . وهو مشهور بكنيته ، ويذكر فيها إن شاء اللَّه تعالى أتم من هذا . وكان من أفاضل الصحابة وفقهائهم وحكمائهم . روى عنه أنس بن مالك ، وفضالة بن عبيد ، وأبو أمامة ، وعبد اللَّه بن عمر ، وابن عبّاس وأبو إدريس الخولانيّ ، وجبير بن نفير ، وابن المسيّب ، وغيرهم . تأخر إسلامه ، فلم يشهد بدرا ، وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، وقيل : إنه لم يشهد أحدا ، وأوّل مشاهده الخندق . وآخى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم بينه وبين سلمان الفارسي . روى أيوب ، عن أبي قلابة أن أبا الدرداء مرّ على رجل قد أصاب ذنبا ، وكانوا يسبونه ، فقال : أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه ؟ قالوا : بلى . قال : فلا تسبوا أخاكم ، واحمدوا اللَّه الّذي عافاكم . قالوا : أفلا نبغضه ؟ قال : إنما أبغض عمله ، فإذا تركه فهو أخي ، وروى صالح المري ، عن جعفر بن زيد العبديّ : أن أبا الدرداء لما نزل به الموت بكى ، فقالت له أم الدرداء : وأنت تبكى يا صاحب رسول اللَّه ؟ ! قال : نعم ، وما لي لا أبكى ولا أدرى علام أهجم من ذنوبي . وقال شميط بن عجلان : لما نزل بأبي الدرداء الموت جزع جزعا شديدا ، فقالت له أم الدرداء : ألم تك تخبرنا أنّك تحب الموت ؟ قال : بلى وعزّة ربى ، ولكن نفسي لما استيقنت الموت كرهته ، ثمّ بكى وقال : هذه آخر ساعاتي من الدنيا ، لقّنونى « لا إله إلّا اللَّه » فلم يزل يرددها حتى مات . وقيل : دعا ابنه بلالا فقال : ويحك يا بلال ! اعمل للساعة ، اعمل لمثل مصرع أبيك ، واذكر به مصرعك وساعتك ، فكأن قد ، ثمّ قبض . وتوفى قبل عثمان بسنتين ، قيل : توفى سنة ثلاث أو اثنتين وثلاثين بدمشق ، وقيل : توفى بعد صفّين سنة ثمان أو تسع وثلاثين . والأصح والأشهر والأكثر عند أهل العلم أنه توفى في خلافة عثمان ، ولو بقي لكان له ذكر بعد قتل عثمان إما في الاعتزال ، وإما في مباشرة القتال ، ولم يسمع له بذكر فيهما البتة ، واللَّه أعلم .